الـ RPG الغربيُ الصناعةِ هو نوعية من الألعاب لم تحظى بتلك الشعبية بعالمنا العربي إلا مع الجيل الماضي، ومع ألعاب مثل Oblivion وMass Effect وحتى Skyrim. لكنها ليست نوعية حديثة على الإطلاق، بل أن لها تاريخاً عريقاً يمتد لأوائل الثمانينيات، وقدمت العديد من الروائع الخالدة منذ تلك اللحظة. لم نسمع عن الكثير من ألعاب الـRPG الغربي القديمة لأنها كانت تصدر بشكل حصري على الـPC، الذي – حاله من حال التصنيف – لم يحظى بتلك الشعبية في منطقتنا من ناحية ألعاب الفيديو. في هذه المقالة، نسلط الضوء على واحدة من روائع الـ RPG القديمة التي قدمها الغرب وصدرت بشكل حصري على الـPC، وكانت عملية تطويرها أشبه بمغامرة لم ينقذها ويبقيها على قيد الحياة إلا محبي اللعبة، لنبدأ.

 

Troika Games هو إسم الفريق المطور، وهو فريق أسسه مجموعة من العباقرة الذين عملوا من قبل على Fallout الأولى، وتحت مظلة Activision، بدأت عملية تطوير Bloodlines – المقتبسة من عوالم Vampire: The Masquerade التي خلقها Mark Rein-Hagen- في عام 2001، وتم اتخاذ القرار باستخدام محرك Valve الجديد، Source، لتكون من أوائل الألعاب التي تستخدمه لحظة صدورها. للأسف، عملية التطوير لم تسر بشكل جيد على الإطلاق لـ Troika Games الذي كان يتكون وقتها من 32 رجل لا أكثر. حيث تخطى طموح اللعبة ميزانية أكتفيجين، وعانى الفريق من تخبطات إدارية حيث استمر عاماً كاملاً بدون منتج! بعد 3 سنوات في التطوير، وبدون أي ضوء في نهاية النفق، قررت أكتفيجين أن هذا يكفي، وأعطت الفريق 5 شهور إضافية لينهي فيها اللعبة حتى تصدر في موسم أعياد 2004 وتنافس Half Life 2 ويتم تسويقها كواحدة من أوائل الألعاب المستخدمة لـ Source.

 

وهكذا، صدرت Bloodlines في نوفمبر 2004، ناقصة، غير مكتملة، ومليئة بالمشاكل التقنية. وبينما مدحت المراجعات مستوى الكتابة الممتاز والقصة المثيرة وتصميم المهام الابتكاري، إلا أنها عجزت عن إعطاء Bloodlines أية أرقام عالية بسبب مشاكلها التقنية التي لا تعد ولا تحصى.. وكان يمكن أن تكون هذه نهاية القصة، لولا مجتمع اللعبة الذي أحبها وقدر كمية المجهود المبذول فيها، وسخر نفسه على مدار الـ 12 عاماً الماضية لـ “إصلاحها”. Bloodlines الآن، بعد تطبيق الـ Patches(التحديثات) غير الرسمية التي صنعها مجتمع اللعبة، هي لعبة سليمة لحد كبير من أي مشاكل تقنية، وتجربة RPG غاية في الروعة يمكنك أن تعيشها بدون أي منغصات، مع فائق اللا شكر لإدارة Activision.

 

يكفي حديثاً عن تطوير اللعبة، ولنبدأ الحديث عن اللعبة نفسها. Bloodlines هي لعبة RPG تتنقل فيها بين المنظورين الأول والثالث، مع عناصر إطلاق نار وقتال يدوي، بشكل يشبه سلسلتي The Elder Scrolls وFallout. تبدأ اللعبة بموت شخصيتك على يد مصاص دماء، وتحولك بالتالي لواحد. هنا ستبدأ شخصيتك برؤية مدينتها، سانتا مونيكا، بشكل مختلف تماماً عما اعتادت على رؤيته. وفي زواياها المظلمة ستقابل أشباحاً يبحثون عن فرصة في الراحة الأبدية، ومستذئبين يتمنون نعمة الموت، ستزوز بيوتاً مسكونة وتحقق في جرائم قتل بشعة وتساعد الكثير من الشخصيات التي لا تنسى في إيجاد خلاصها، وتحاول إثبات نفسك في المجتمع الجديد الذي تنتمي له الآن.

 

مايميز اللعبة عن غيرها، هو انها لعبة Role Playing (تقمص أدوار) حقيقية، بكامل تفاصيلها. هنا أنت تتقمص شخصية مصاص الدماء بشكل لم يسبق لي رؤيته في أي منتج آخر.. وأنظمة اللعبة المميزة جميعها تتركز نحو تقوية هذا العنصر. أول هذه الأنظمة هو نظام الـ Masquerade (التخفي). مجتمع مصاصي الدماء هو مجتمع سري للغاية، ومعرفة بقية البشر به هي أكبر كارثة يمكن أن تحدث في عالم اللعبة، وهنا يأتي نظام التخفي، كل مصاص دماء يمتلك 5 ختوم تخفي، في كل مرة ينتهك القوانين بكشف هويته لبشري أو إستخدام قدراته في وجود بشري يستهلك واحدة من هذه الختوم، وعند انتهاءها، يتم إعدامه من قبل العشيرة الحاكمة. منذ بداية اللعبة انت كذلك تمتلك 5 ختوم، 5 فرص لإستخدام قدراتك في وجود البشر. وعليك أن تفكر في كل مرة تحتاج فيها أن تستخدم قدراتك في وجود بشي، هل يستحق الأمر التضحية بواحدة من الختوم؟ ماذا أن وقعت في مشكلة أكبر بوقت لاحق وإحتجتها؟ وهذه أول خطوة تقوم بها اللعبة لتقوي إنتماءك لعالمها.

 

الخطوة الثانية هي نظام الـ Humanity (الآدمية). أنت مصاص دماء، وحش، هناك وحش في داخلك يريد التحرر في كل لحظة على مدى اللعبة، ولمنع ذلك عليك أن تتمسك في كل قطرة آدمية مازلت تمتلكها. أنت تحتاج لشرب دماء البشر لتبقى على قيد الحياة، لكنك لا تحتاج لقتلهم! فإن قتلتهم، أنت تضحي بجزء من آدميتك، إن أتخذت قرارات قاسية وظالمة، فأنت تضحي بجزء من آدميتك، إذا تكبرت عن مساعدة محتاج في شيء يمكنك بسهولة تحقيقه، أنت تضحي بجزء من آدميتك. كلما تتناقص آدميتك كلما يتحرر الوحش في داخلك، وستلاحظ أن لم يعد بإمكانك التفكير بشكل منطقي، او انهاء النزاعات بشكل سلمي، والخيارات التي ستقدم لك ستكون دائماً أميل للهجومية والوحشية، فمن ينزلق في طريق الوحوش يصعب عليه العودة للآدمية. نظام ذكي آخر من اللعبة يجبرك على الإنغماس في عالمها.

 

بعد هذا يأتي نظام قد يعتبره البعض عائقاً، وقد يعتبره البعض نعمة، وأميل هنا للجمهور الثاني. وهو عدم وجود أي مؤشرات للمهام في اللعبة. تمتلك خريطتك، تمتلك تعليمات الشخصيات، إعرف مدينتك وحدد هدفك. حين يخبرك أحدهم أن آخر مرة رأى فيه الفتاة كانت في مطعم معين، عليك أن تنظر لمكان هذا المطعم على خريطتك وتتجه إليه بنفسك، بدون أن تمسك اللعبة يدك وتوجهك إلى هناك. في المطعم ستسأل مالكته عن الفتاة وستعرفها، وتخبرك أنها نسيت بعض متعلقاتها الشخصية هنا فربما بإمكانك إيصالها لها، بهذه المتعلقات ستجد مفتاح سيارة، ورخصة قيادة مع ذكر رقم السيارة، فتستنتج أن ربما عليك إيجاد هذه السيارة، فتزور مصف السيارات الكبير المحاذي للشاطئ لتبحث عن هذه السيارة بنفسك، تجدها وتفتحها لتجد مذكرات الفتاة، تذكر فيها روتينها اليومي، وتذكر فيها آخر مكان توجهت إليه قبل أن تقفل المذكرة وتعيدها للسيارة، ربما عليك زيارة هذا المكان؟ هذا مثال بسيط على كم أضاف عدم وجود مؤشرات إلى مهمات Bloodlines، وكم أعطاك الشعور بكونك محقق يمارس “التحقيق” فعلاً.. تستجوب الشخصيات، تستنتج أهدافك، وتبحث عن الأدلة. وحين إقتربت نهاية اللعبة، كنت أعرف لوس أنجليس بمدنها الأربعة كظهر يدي، وأتذكر كل بار وكل مستشفى وكل مدرسة وكل قصر وكل منزل فيهم بفضل المغامرات الجنونية التي عشتها هناك.

 

ماذا عن القصة وتصميم المهمات؟ حسناً، في الفقرة الماضية تحدثت قليلاً عن جودة تصميم المهمات في اللعبة، لكن كيف تحصل على المهمات؟ جريدة مرمية على باب جارك عنوانها الرئيسي “جريمة قتل بشعة راح ضحيتها زوجين بعدما تم تقطيعهما أشلاءاً”؟ مهمة. شخص خيل لك أنك رأيته في ذلك الطريق المظلم قبل ان تلتفت مجدداً فلا تراه؟ مهمة. فقير حاولت ان تشرب القليل من دماءه في تلك المدينة الجديدة التي تزورها لأول مرة، فتكتشف انك تسممت، وأن هناك مرضاً غريباً في هذه المدينة؟ مهمة. مخرج شاب يحاول أن يصور مشهداً لفيلمه الجديد بتلك المدرسة المهجورة؟ مهمة. Bloodlines هي مجموعة من أطراف الخيوط المغرية، كل ركن فيها ينبئ بمغامرة لا تنسى، كل شخصية تراها تشعرك بقصة شيقة خلفها، كل مبنى يمكنك زيارته هو موقع لحدث ستتذكره لفترة طويلة. رغم مشاكل تطويرها، Troika Games تمكنوا من صنع أكثر لعبة مزدحمة بالمهمات القيمة مما لعبت في حياتي، وأفضل مجموعة مهمات مرت علي في أي لعبة. ماذا عن القصة إذن؟ حسناً، هذا عنصر لا أريد أن أتحدث عنه كثيراً، كون قصص هذه اللعبة هي شيء من الأفضل ان تعيشه بدون أي معرفة مسبقة، لكن يكفيك أن تعرف أن Bloodlines تمتلك واحدة من أفضل المهمات الرئيسية التي لعبتها في الـ RPG الغربي، وتقدم سلسلة من المهمات ستحتاج منك 25 ساعة لإنهاءها، مهمات سترى فيها نظرة عميقة وناضجة عن النفس البشرية، وإستكشاف لشخصيات لم تكن لتتوقع أن لها أي عمق في النظرة الأولى، ومغامرة في مناطق و”دنجنز” لم ترى بجودتها في المجال إلا قليل. والأهم، دراسة لمواضيع جريئة وجادة تجعلك تتساءل إن كانت هذه لعبة صدرت في 2004 فعلاً؟

 

Vampire: The Masquerade – Bloodlines لم تحظى بأفضل شهر إصدار ممكن، لكنها في لحظتنا هذه، واحدة من أجمل الروائع التي قدمها لنا الغرب في مجال الـ RPG، وتجربة عليك أن تعيشها إن كنت محباً لهذا التصنيف، تجربة لن تشعر بعد الإنتهاء منها إلا بالأسى، أن Troika Games لن يصنع لعبة أخرى.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق